صديق الحسيني القنوجي البخاري

86

فتح البيان في مقاصد القرآن

جمع الشوكاني بين ما ورد في المسح بضربة وبضربتين وما ورد في المسح إلى الرسغ وإلى المرفقين في شرحه للمنتقى وغيره من مؤلفاته بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره . والحاصل أن أحاديث الضربتين لا يخلو جميع طرقها من مقال ، ولو صحت لكان الأخذ بها متعيّنا لما فيه من الزيادة ، فالحق الوقوف على ما ثبت في الصحيحين من حديث عمار من الاقتصار على ضربة واحدة حتى تصبح الزيادة على ذلك المقدار . قال الخطابي : لم يختلف أحد من العلماء في أنه لا يلزم مسح ما وراء المرفقين ، واحتجوا بالقياس على الوضوء وهو فاسد الاعتبار . قال الحافظ : إن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهم وعمار ، وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه والراجح عدم رفعه انتهى ، فالحق مع أهل المذهب الأول حتى يقوم دليل يجب المصير إليه ، ولا يشك أن الأحاديث المشتملة على الزيادة أولى بالقبول ، ولكن إذا كانت صالحة للاحتجاج بها ، وليس في الباب شيء من ذلك . إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً أي عفا عنكم وغفر لكم تقصيركم ورحمكم بالترخيص لكم والتوسعة عليكم . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 44 إلى 45 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ( 44 ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً ( 45 ) أَ لَمْ تَرَ كلام مستأنف مسوق لتعجيب المؤمنين من سوء حال اليهود والتحذير من موالاتهم والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية من المسلمين ، وتوجيهه إليه صلى اللّه عليه وسلم هنا مع توجيهه فيما بعد إلى الكل معا للإيذان بكمال شهرة شناعة حالهم ، وأنها بلغت من الظهور إلى حيث يتعجب منها كل من يراها ، والرؤية هنا بصرية . إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً حظا مِنَ الْكِتابِ التوراة والمراد أحبار اليهود يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ المراد بالاشتراء الاستبدال ، وقد تقدم تحقيق معناه ، والمعنى أن اليهود استبدلوا الضلالة وهي البقاء على اليهودية بالهدى أي بعد وضوح الحجة على صحة نبوة نبينا صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل يأخذون الرشا ويحرفون التوراة . وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ عطف على قوله يشترون مشارك له في بيان سوء صنيعهم وضعف اختيارهم ، أي لم يكتفوا بما جنوه على أنفسهم من استبدال الضلالة بالهدى ، بل أرادوا مع ضلالهم أن يتوصلوا بكتمهم وجحدهم إلى أن تضلوا أنتم أيها المؤمنون السبيل المستقيم الذي هو السبيل الحق ، قال تعالى : وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً [ النساء : 89 ] .